الثوابت الوطنية
علي أجندة منظمة التحرير الفلسطينية
"حق العودة نموذجا"
حسام رمضان احمد
ورقة بحثية مقدمة لمؤتمر
اللاجئون الفلسطينيون بين الحق المعلوم والمصير المجهول
الذي أقامته الجامعة الإسلامية – فرع الجنوب في 5 أيار2008م
بمناسبة الذكرى الـ 60 للنكبة
غزة - 2008
ملخص
تمثل قضية اللاجئين جوهر وأساس القضية الفلسطينية، وتمثل منظمة التحرير الكيان السياسي الذي يمثل الفلسطينيين في شتى أماكن تواجدهم، ولقد حظيت المنظمة طوال العقود السابقة باعتراف دولي كممثل شرعي للفلسطينيين وتعزز هذا الاعتراف بعد أن دخلت المنظمة مشروع التسوية، ولكن هذا الاعتراف الذي جاء في سياق مشروع التسوية ادخل المنظمة في طريق ابتزاز المواقف السياسية من قبل الأطراف الدولية الموالية لإسرائيل.
وكان لابد من استحضار مواقف الأطراف قبل الحديث عن تطورات موقف منظمة التحرير، فالقانون الدولي الذي يشكل مرجعية للحقوق الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها حق العودة وحق تقرير المصير كحقين متلازمين، والموقف الصهيوني الرافض لحق العودة وتطوراته خلال الستة عقود الماضية، وعندما تمثل الولايات المتحدة الأمريكية دور الوسيط "النزيه"، فان استحضار موقفها من حق العودة يظهر مدى نزاهتها ومدى قربها أو بعدها عن القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة، ولا يغب عن الدراسة الموقف الأوروبي الذي يسعى لتحقيق مصالحه من خلال إيجاد دور له في مشروع التسوية.
إن الدور المنتظر لمنظمة التحرير في حال إعادة بنائها وقيامها بدورها الحقيقي والرشيد في تمثيل الفلسطينيين من اجل قيادة الشعب الفلسطيني نحو العودة والدولة وتقرير المصير يستلزم إدراك الواقع السياسي الذي وصلت إليه المنظمة خاصة بعد انخراطها في مشروع التسوية وما تعرضت له من ابتزازه سياسي من قبل قوى خارجية أو ما اندفعت إليه بعض قياداتها من مواقف غير محسوبة كلها في النهاية تركت بصماتها علي شكل وطبيعة الصراع والمواقف السياسية الداعمة لإسرائيل والتي أصبحت أكثر وقاحة من ذي قبل.
تمهيد:
تركز هذه الورقة علي طريقة تعاملت منظمة التحرير الفلسطينية مع الحقوق والثوابت الوطنية خصوصاً حق العودة، كون قضية اللاجئين تمثل جوهر وأساس القضية الفلسطينية، حيث تمثل عملية طرد الفلسطينيين من أرضهم وديارهم اكبر جريمة يشهدها العصر الحديث، فلم يشهد التاريخ أن قامت فئة غريبة مدعومة بقوى استعماريه كبرى بطرد أصحاب الأرض الشرعيين وإحلال غرباء مكانهم كما جرى بحق الشعب الفلسطيني، حيث ارتكبت الصهيونية العالمية بالتعاون مع القوى الاستعمارية الكبرى بحقهم اكبر جريمة طرد جماعي من خلال ارتكاب العديد من المجازر التي لم يشهدها التاريخ.
ولقد تأمر علي الشعب الفلسطيني الكثير من القوى الاستعمارية التي وجدت في التحالف مع الصهيونية العالمية من خلال إقامة الكيان الصهيوني الغريب في فلسطين فرصة لها لتنفيذ مخططاتها الهادفة إلي السيطرة علي مقدرات الأمة العربية وإحباط أي مشروع نهضوي يسعى إلي استنهاض الأمة العربية والإسلامية من غفوتها.
لذلك فإن مشروع التحرر الوطني الفلسطيني لا يمكن له أن يتجاوز هذا الحق كونه يمثل أساس واصل الثوابت الوطنية الفلسطينية التي تتبلور في حق العودة وحق تقرير المصير، فلا يتحقق تقرير المصير إلا بتحقيق العودة، فتحقق العودة شرط أساس لتحقق تقرير المصير، وعندما قامت منظمة التحرير بتقديم الثاني علي الأول (بمعني تقديم حق تقرير المصير قبل تنفيذ حق العودة) ادخل بهذا القضية الفلسطينية في نفق مظلم.
وكون منظمة التحرير تمثل جزء هام من العمل الوطني الفلسطيني، باعتبارها الجسم السياسي الذي يمثل الفلسطينيين في شتى أماكن تواجدهم (خلال هذه الفترة والفترة السابقة)، وباعتبارها الواجهة السياسية التي حصلت علي اعتراف دولي بتمثيل الفلسطينيين، ولكون عملية إصلاحها وإعادة بنائها تمثل الأساس في إطلاق مشروع سياسي يحظي بقبول وطني يجتمع عليه الشعب الفلسطيني، فمن اجل هذا كانت هذه الورقة.
تعيش منظمة التحرير في العقد الخامس من عمرها بعد تأسيسها عام 1964، حيث قدمت المنظمة نفسها علي أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وبقيت طوال أول عقدين من عمرها بدون أي منافس فلسطيني قوي، حيث بدأت هذه المنافسة السياسية تبرز مع بداية الانتفاضة الأولي، بمعنى أن المنظمة بقيت طوال ما يزيد علي ربع قرن تقود الشعب الفلسطيني بشكل متفرد.
عملية تقييم تطورات موقف منظمة التحرير الفلسطينية من حق العودة يجب أن تمر من خلال النظر في المواقف التي تمثل في ذاتها خلفية رئيسية لعملية التقييم والتي تتمثل في: الخلفية القانونية لحق العودة كأساس قانوني يمكن الارتكاز علية، وكذلك استحضار الموقف الصهيوني وتطوراته، وإلقاء الضوء علي الموقف الأمريكي، وتلمس الموقف الأوروبي، لكون هذه الأطراف الثلاثة كان لها تأثير مباشر على تطورات موقف منظمة التحرير من حق العودة. على اعتبار أن المنظمة بعد حرب 1967م بدأت تسعى إلي الاعتراف بها كممثل شرعي للشعب الفلسطيني لدى الأطراف الأكثر تأثيرا على موضوع الصراع, لذلك فإن عملية التقييم ستبرز تأثير هذه المواقف على علمية تغير موقف منظمة التحرير من حق العودة.
البيئة القانونية لحق العودة الفلسطيني:
أولاً: القانون الدولي:
ويعالج قضايا انتقال السيادة علي منطقة جغرافية حيث يلزم الدولة الخلف بمنح جنسيتها لرعايا الدولة السلف، ويمكن دراسة البيئة القانونية من خلال عدة مصادر وهي كما يلي:
1- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948م: وتنص الفقرة الثانية من المادة (13) من الإعلان على ما يلي: لكل شخص الحق في مغادرة أي بلد بما فيه بلده والعودة إليه.
2- الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية:1966 وتنص الفقرة الرابعة من المادة (12) من الاتفاقية على ما يلي: لا يجوز حرمان أي أحد بصورة تعسفية من حقه في الدخول إلى بلده.
3- المعاهدة الدولية لاستئصال كافة أشكال التمييز العنصري: ووفق المادة الثانية من الاتفاقية لا يجوز للدولة حرمان أي شخص، لدواعي عرقية أو إثنية، من حق العودة إلى بلده.
4- البروتوكول الرابع في الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية وتنص الفقرة الثانية من المادة الثالثة من البروتوكول على ما يلي: لا يجوز حرمان أي أحد من حق الدخول إلى أراضي الدولة التي هو من رعاياها.
5- المعاهدة الأميركية لحقوق الإنسان وتنص الفقرة الخامسة من المادة الثانية من الاتفاقية على ما يلي: لا يجوز طرد أحدهم من إقليم دولة هو من رعاياها ولا حرمانه من حق العودة إليه.
ثانيا": القانون الإنساني:
يتعامل القانون الإنساني مع العائلات التي تشتتت نتيجة لأعمال الحرب وليس مع تلك التي تعيش تحت الاحتلال العسكري وتم تشتيتها بعد وقوع الاحتلال. ويضمن هذا القانون مجموعة من الحقوق للأشخاص الذين يعيشون في المناطق المحتلة ومنها حق العودة. وفي هذا الخصوص تأتي المادة (43) من مواثيق لاهاي بشأن قانون الحرب ومعاهدة جنيف لعام 1949 بشأن حماية المدنيين وقت الحرب.
ثالثاً: قرارات الأمم المتحدة:
وأهمها القرار 194 الصادر في الدورة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 11 ديسمبر 1948 ويتضمن فقره هامة تؤكد علي تطبيق حق العودة وهي: تقرر وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وكذلك عن كل فقدان أو خسارة أو ضرر للممتلكات بحيث يعود الشيء إلى أصله وفقاً لمبادئ القانون الدولي والعدالة، بحيث يعوّض عن ذلك الفقدان أو الخسارة أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسئولة.
ويشمل القرار فقرات هامة أخرى:
- يدعو القرار إلى تطبيق حق العودة كجزء أساسي وأصيل من القانون الدولي، ويؤكد على وجوب السماح للراغبين من اللاجئين في العودة إلى ديارهم الأصلية، والخيار هنا يعود إلى صاحب الحق وليس لغيره.
- يدعو القرار إلى عودة اللاجئين في أول فرصة ممكنة، والمقصود بهذا: عند توقف القتال عام 1948، أي عند توقيع اتفاقيات الهدنة، أولاً مع مصر في شباط/فبراير 1949 ثم لبنان والأردن، وأخيراً مع سورية في تموز 1949.
أهمية القرار 194 بالنسبة للاجئين الفلسطينيين:
دار حديث كثير حول القرار 194 من ناحية انه يكرس وجود إسرائيل فوق الأرض الفلسطينية وكونه يشرع العودة للإقامة في ولاية الدولة الصهيونية، ولكن رغم ذلك فانه أصاب جزء من الحقيقة، مما يستدعي وضع اليد علي نقاط القوة ونقاط الضعف في هذا القرار من اجل حشد كل القرائن القانونية التي تعطي الشعب الفلسطيني الحق في العودة إلي دياره ووطنه خاصة أن الدولة العبرية تسعى لتفريغ الأرض الفلسطينية من سكونها، فثبات الفلسطينيين علي أرضهم وإعادة ما يمكن إعادته منهم يعتبران خطوة هامه علي طريق التحرير والعودة.
1- اعتبر الفلسطينيين شعباً طرد من أرضه، وله الحق في العودة كشعب وليس كمجموعة أفراد متضررين من الحروب مثل حالات كثيرة أخرى. وهذا الاعتبار فريد من نوعه في تاريخ الأمم المتحدة، ولا يوجد له نظير في أي حالة أخرى، ولذلك يجب التمسك به.
2- وضع آلية متكاملة لعودة اللاجئين من عدة عناصر:
أ. أكد عل حقهم في العودة إذا اختاروا ذلك، في أول فرصة ممكنة، وكذلك تعويضهم عن جميع خسائرهم، كل حسب مقدار خسائره، سواء عاد أم لم يعد.
ب. أنشأ مؤسسة دولية لإغاثتهم من حيث الطعام والصحة والتعليم والمسكن إلى أن تتم عودتهم، وهذه المؤسسة أصبح اسمها فيما بعد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
ج. انشأ لجنة التوفيق الدولية لتقوم بمهمة تسهيل عودتهم وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي.
وقد تبنت الجمعية العامة وبصيغ مشابهة نحو (49) قرارا يمكن تصنيفها ضمن ما يأتي في التأكيد على القرار 194، ومن أبرزها:
- القرار رقم 2535 بتاريخ 10/12/1969. وجاء في الفقرة ب منه: إن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين ناتجة عن إنكار حقوقهم غير القابلة للتصرف والتي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة وكذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان".
- القرار 2649 بتاريخ 30/10/1970: وبعد أن ذكرت الجمعية العامة بقراراتها الأساسية في مجال إزالة الاستعمار أدانت الحكومات التي ترفض حق تقرير المصير للشعوب التي اعترف لها بهذا الحق، ولا سيما شعوب أفريقيا الجنوبية وفلسطين.
- القرار 2672 بتاريخ 8/12/1970: وجاء فيه: يجب أن يتمتع شعب فلسطين بالمساواة في الحقوق وممارسة حقه في تقرير مصيره وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.
- وأكد أيضا: إن الإقرار الكامل بحقوق شعب فلسطين غير القابلة للتصرف هو عنصر لا يستغني عنه لتحقيق سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.
- القرار 3089 بتاريخ (7/12/1973)، الفقرة د: إن تمتع اللاجئين العرب الفلسطينيين بالحق في العودة إلى ديارهم وأملاكهم، ذلك الحق الذي اعترفت به الجمعية العامة في القرار 194 لا بد منه لتحقيق تسوية عادلة، ولممارسة شعب فلسطين حقه في تقرير المصير.
- القرار 3236 بتاريخ 22/11/1974. ونص على: أن الجمعية العامة تؤكد من جديد حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين غير القابلة للتصرف، وخصوصاً: الحق في تقرير مصيره دون تدخل خارجي، والحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين. وتؤكد من جديد أيضاً حق الفلسطينيين، غير القابل للتصرف في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها واقتلعوا منها، وتطالب بإعادتهم.
- القرار 3376 بتاريخ 10/11/1975 الذي أنشأت الجمعية العامة بموجبه -اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف- وقد أكدت اللجنة في تقريرها الأول الصلة بين حق العودة والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ويتضمن التقرير نفسه عدداً من التوصيات بشأن تطبيق حق العودة والتي تبنتها الجمعية العامة في دورتها اللاحقة.
- القرار 31/20 بتاريخ 24/11/1976. ويربط هذا القرار بوضوح تام بين حق العودة وحق تقرير المصير، إذ تتبنى الجمعية العامة بموجبه توصيات -لجنة ممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف- ومنها التوصية رقم (70) التي تقول: "تعتبر اللجنة أنه عندما يكون الفلسطينيون قد عادوا إلى منازلهم واستعادوا ممتلكاتهم وعندما يكون قد أنشاء كيان فلسطيني مستقل، يكون عندها الشعب قادراً على ممارسة حقوقه في تقرير مصيره وفي تقرير شكل الحكم الذي يريده دون تدخل خارجي.
مما سبق يتبين أن المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة يعترف بوجود الشعب الفلسطيني. ويعترف القانون الدولي لهذا الشعب بالسيادة على الأراضي التي حددها القرار 181 بتاريخ 29/11/1947، بشأن التقسيم.
ونستنتج من ذلك بأن احتلال تلك الأراضي أو ضمها أو الوصاية عليها من قبل دول مختلفة خلال العقود الماضية لا يعدل نظامها القانوني ولا يعطي لأي دولة أخرى الحق في السيطرة عليها.
الموقف الصهيوني من حق العودة الفلسطيني:
فكرة تهجير العرب من فلسطين كانت حاضرة في أذهان المؤتمرين في زيورخ (3-21/8/1937) والذي ضم خمسمائة مندوباً يمثلون مختلف التيارات الصهيونية، حيث فضلت غالبية المؤتمرين دراسة مشروع "بيل" المقدم للمؤتمر لأنه من وجهة نظرهم طرح مزايا ومكتسبات كبيرة تتمثل في قيام دولة يهودية معترف بها، وركز هؤلاء على أهمية فكرة ترحيل العرب تحت عنوان تبادل السكان. وكان من أبرزهم حاييم وايزمن وبن غوريون وقيادة حزب مباي بصفة عامة. وكان تيار تهجير العرب من فلسطين تياراً طاغياً في المؤتمر، ولعبت زعامة حزب مباي دوراً كبيراً في ذلك. وهو ما ورد في كلمات معظم المتحدثين في أروقة المؤتمر، رغم وجود أقلية عبرت عن رفضها لفكرة التهجير ألقسري للسكان العربي.
ومنذ عام 1947-1948، يدعي الصهاينة بأن لهم حق في احتلال الأراضي التي كانت مخصصة للدولة العربية في قرار التقسيم بحجة أنهم كانوا في وضع الدفاع عن النفس ضد الجيوش العربية. كما ادعوا أيضاً أن اللاجئين فروا بناء على أوامر من الجيوش العربية، وليس بفعل القوة والإرهاب الإسرائيلي. هذا الادعاء فنده التقرير الذي أعده الكونت برنادوت في حينه في تقريره الذي استندت عليه الأمم المتحدة في إصدار القرار 194 حيث جاء في التقرير: "أن عرب فلسطين لم يغادروا ديارهم ويهجروا ممتلكاتهم طوعاً أو اختيارا، بل نتيجة لأعمال العنف والإرهاب التي قامت بها السلطات الإسرائيلية ضد العرب الآمنين". وانتهى في تقريره إلى أن قضية فلسطين لا يمكن حلها إلا إذا أتيح للاجئين العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم.
حسب القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة كان يجب أن تسمح إسرائيل بعودة اللاجئين فور إبرام اتفاقيات الهدنة بين مصر في شباط 1949 ثم لبنان والأردن، وأخيراً مع سوريا في تموز 1949ولكن منع عودة اللاجئين من هذا التاريخ إلى يومنا هذا يعتبر خرقاً مستمراً للقانون الدولي يترتب عليه تعويض اللاجئين عن معاناتهم النفسية وخسائرهم المادية، وعن حقهم في دخل ممتلكاتهم طوال الفترة السابقة.
لكن إسرائيل مقابل ذلك أصدرت ما يسمى بقانون العودة اليهودي، عام 1952 والذي يعطي الحق لكل يهود العالم بدخول فلسطين والاستيطان فيها والحصول علي جنسية الدولة الصهيونية، ويمنع عودة اللاجئين الفلسطينيين.
منذ ذلك الوقت تعمل (إسرائيل) ومؤيدوها كل جهدها لإلغاء قرار 194 واستبداله بقرار آخر وحل وكالة الغوث، لأن قرار 194 وما نتج عنه مثل وكالة الغوث التي تمثل الدليل القانوني والمادي لحقوق اللاجئين.
وفي الفترة 1949-1950 وافقت (إسرائيل) بشروط على دفع تعويضات للاجئين الفلسطينيين بحيث لا يكون دفع التعويض فردياً، بل على أساس إجمالي، وذلك بدفع تعويض لتوطين اللاجئين في الدول المضيفة، على أن يتوفر المبلغ من المجتمع الدولي وبإشراف منظمة دولية.
كما عرضت إسرائيل في تلك الفترة استعدادها لإعادة 100 ألف لاجئ وتوطينهم حيث تشاء (إسرائيل)، ولكنها عادت وتراجعت عن ذلك.
في عام 1956 أثناء زيارته للولايات المتحدة أبدى موشيه شاريت استعداد (إسرائيل) للنظر بجدية إلى مبدأ التعويض شريطة أن يتم توطين اللاجئين الفلسطينيين في البلاد التي لجئوا إليها. وبعد تسع سنوات قدم ليفي أشكول رئيس وزراء (إسرائيل) آنذاك مشروعا للكنيست الإسرائيلي اقترح فيه تحويل مبالغ مالية إلى الدول العربية التي تستضيف اللاجئين، وذلك بغية دمجهم في هذه المجتمعات مقابل فتح أبواب التجارة أمام البضائع الإسرائيلية في البلاد العربية.
ولم يتوقف الموقف (الإسرائيلي) طويلا عند حل مشكلة اللاجئين بل سعى إلي طرح حلول تؤدي إلي التخلص من هذه المشكلة عبر مشاريع التوطين فقدمت إسرائيل ما يلي:
- مشروع آلون: ينطلق مشروع آلون من إنكار إسرائيل أية مسؤولية لمشكلة اللاجئين، ويتهم الدول العربية بأنها سبب المشكلة وسبب دوامها.
- اقتراحات رعنان فايتس: مدير الاستيعاب في الوكالة اليهودية في الفترة 1963-1984، قدم عدة اقتراحات لمعالجة قضية بنقل وتفريغ المخيمات الفلسطينية وبخاصة في قطاع غزة وترحيل عدد من اللاجئين إلى الضفة الغربية نظراً لقدرتها الاستيعابية.
- اقتراح آبا ايبان: وزير خارجية إسرائيل حين قدم مشروعه في خطاب أمام الأمم المتحدة عام 1968 وهو ينطلق من خطة خماسية في إطار سلام دائم يبدأ بمؤتمر دولي يضم دول الشرق الأوسط مع الحكومات التي تساهم في إغاثة اللاجئين، حيث يتم توطين هؤلاء في أماكن اللجوء التي يعيشون فيها بمساعدة دولية وإقليمية.
- مشروع موشيه ديان: شغل موشيه ديان منصب وزير الدفاع في الحكومة الإسرائيلية أثناء حرب 1973، حيث كانت المخيمات في قطاع غزة تمثل مشكلة أمنية للحكومة الإسرائيلية، فاقترح تصفية المخيمات تحت ستار تخفيف كثافة السكان وتوزيع اللاجئين في مناطق جديدة تسهل السيطرة الأمنية عليها، بهدف تجريد اللاجئين من صفة اللجوء.
- إقتراح ارئيل شارون: قائد القوات العسكرية الإسرائيلية، في قطاع غزة وقدم اقتراحه عام 1971، بهدف تهدئة الأوضاع الأمنية في القطاع، فاقترح نقل 40 ألف شخص من مخيمات القطاع إلى مكان آخر لتخفيف الازدحام السكاني.
- خطة يسرائيل غاليلي: وزير في حكومة العمل عام 1973، دعا إلى إعادة تأهيل اللاجئين بتوفير مساكن لهم مجاورة للمخيمات، وتطوير المخيمات وتحويلها إلى مدن و دمج المخيمات بها.
- خطة لجنة بورات: شكلت حكومة بيغن لجنة وزارية برئاسة مردخاي بن بورات 1982 للنظر في قضية اللاجئين، وقد أعدت اللجنة المذكورة خططاً تفصيلية لدمج اللاجئين في الضفة الغربية وقطاع غزة في المدن المجاورة، على أن يجري تنفيذها على مراحل على مدى خمسة أعوام.
وفي محاولة من قبل الحزبين الكبيرين في إسرائيل العمل والليكود وضع موقف مشترك من قضايا الحل النهائي مع الجانب الفلسطيني، تم تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن تكتل الليكود (الليكود-تسوميت-غيشر) برئاسة ميخائيل ايتان وممثلين عن حزب العمل برئاسة يوسي بيلين، وقد جاء في الخطة فيما يتعلق بموضوع اللاجئين ما يلي:
- الاعتراف بحق دولة إسرائيل في منع دخول لاجئين فلسطينيين إلى داخل مناطق سيادتها.
- السلطة الفلسطينية مخولة باستيعاب كل شخص داخل أراضيها حسب اعتباراتها.
في نوفمبر 1992 كرّر رئيس الوفد الإسرائيلي أمام مجموعة العمل الخاصة باللاجئين الموقف الرسمي بقوله: إن القول بأن مسألة اللاجئين الفلسطينيين كانت نتيجة طرد جماعي هو محض افتراء، وكان ذلك نتيجة حتمية للمخاوف العربية واليهودية.
في أكتوبر 1994 نشرت الحكومة الإسرائيلية وثيقة عن مسألة اللاجئين توجز موقفها من هذه المسألة والذي يعتبر تكراراً لمواقفها السابقة حيث جاء فيها: إن مسألة لاجئي 1948 كانت من صنع الدول العربية، وإن نحو 600 ألف لاجئ يهودي اضطروا في بداية الخمسينات إلى الهرب من الدول العربية والحماية في إسرائيل، وإن عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا في حربي 1948-1967 أقل بكثير من زعم الجانب العربي، وإن تعريف اللاجئ وفق قرار الأمم المتحدة 194 كان غير دقيق ومختلفاً عن التعريفات الدولية الأخرى لماهية اللاجئ.
في مفاوضات كامب ديفيد التي انطلقت في واشنطن في يوليو 2000، تم طرح الموقف الإسرائيلي من قضية اللاجئين بشكل جدي، وكان موقف باراك من هذه القضية، أنه لا يمانع في عودة اللاجئين إلى مناطق السلطة الفلسطينية مع التزام إسرائيلي باستيعاب آلاف الفلسطينيين في إسرائيل، ولكن ليس بالضرورة في الأماكن التي أبعدوا منها عام1948.
تدعم إسرائيل موقفها الرافض لعودة اللاجئين بزعم أن اللاجئين يريدون العودة بهدف تدمير إسرائيل من الداخل وليس بهدف العيش بسلام مع جيرانهم، وتسعى إسرائيل إلي الحصول علي اعتراف دولي بكونها دولة يهودية من اجل شطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين ولتتخلص من الأعباء السياسية والقانونية التي لحقت بإسرائيل جراء طردها للاجئين ومنع عودتهم.
الموقف الأمريكي من قضية اللاجئين:
في الذكرى الستين للنكبة تتنافس إدارة بوش مع الحكومة الصهيونية في طريقة الاحتفال بيوم النكبة الفلسطيني (الاستقلال الإسرائيلي) من خلال عدة مواقف اتخذتها الإدارة الأمريكية بدأت بالاستقبال الفاتر للرئيس عباس أثناء زيارته الأخيرة لواشنطن وتمرير مشروع حق إسرائيل في الوجود بما يتضمن من اعتراف صريح بكون إسرائيل دولة يهودية والذي جرى تمريره في الكونجرس الأمريكي قبل أيام من تتويج أمريكا لاحتفائها بـ (الاستقلال الإسرائيلي) من خلال زيارة بوش، وهذا الاحتفاء يستدعي مراجعة الموقف الأمريكي من قضية اللاجئين الفلسطينيين الذي يتضح منذ صدور قرار التقسيم عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، ففي دراسة اعتمدتها المخابرات الأمريكية والبنتاغون أكّده جورج كنان، مدير التخطيط السياسي في الخارجية الأمريكية آنذاك "أن أية مساعدة تقدمها الولايات المتحدة لفرض خطة التقسيم، سوف تتسبب في عداء عميق ودائم للولايات المتحدة من قبل أطراف عديدة في العالم الإسلامي ولفترة طويلة من الزمن...كنتيجة لرعاية الولايات المتحدة لخطوة الأمم المتحدة المتعلقة بتوصياتها بتقسيم فلسطين". حتى ربيع 1948، حاولت الولايات المتحدة التراجع عن تأييدها خطة التقسيم، إلا أن الوقت كان متأخراً؛ إذ أدت عمليات القوات الصهيونية إلى تهجير أكثر من ثلثي الفلسطينيين خارج وطنهم. وفي آذار 1949 حددت الخارجية الأمريكية الخطوط العامة لمعالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين: بغرض حماية أملاك العرب الغائبين ومصالحهـم مــن تطبـيـق القوانين (الإسرائيلية) المشرعة في 12 كانون أول 1948 والتي تخوّلها ببيع مثل هذه الأملاك، وحثها بأن لا تعمل بشكل أحادي من شأنه الإجحاف بما توصلت إليه التسوية حول إعادة اللاجئين إلى ديارهم وإعادة الممتلكات إلى أصحابها من اللاجئين.
أعلنت إسرائيل رفضها لحق العودة، ورفضت تسهيل إعادة اللاجئين كما جاء في القرار 194، وبذلك تحول الموقف الأمريكي نحو التأهيل الاقتصادي وتوطين اللاجئين في شتاتهم. ومن هنا اهتمت (إسرائيل) أكثر بالتأثير علي الموقف الأمريكي ودفعه باتجاه تبني الرواية الصهيونية لمعالجة قضية اللاجئين ويأتي في هذا السياق ما عبر عنه دانيال بايبس –مدير منتدى الشرق الأوسط الذي اعتبر: أن تعريف اللاجئين الفلسطينيين يختلف عن جميع التعريفات الخاصة باللاجئين الآخرين. فاللاجئون حسب تعريف الأنروا هم الأشخاص الذين كانوا من سكان فلسطين بين يونيو 46 ومايو 48 وفقدوا بيوتهم وسبل معاشهم نتيجة للصراع العربي الإسرائيلي عام 48. وهي، أي الأنروا، تمنح صفة لاجئ على أحفاد الأشخاص الذين أصبحوا لاجئين عام 48، بل إنها تعتبر أبناء أحد الأبوين إذا كان لاجئاً فلسطينياً بمثابة لاجئين، و في الوقت الذي يؤدي تعريف المفوضية العليا للاجئين إلى اختفاء اللاجئين مع مرور الزمن، فإن تعريف الأنروا يؤدي إلى زيادة عددهم من دون حدود، ولذلك دعا بايبس واشنطن إلى قطع مساعدتها للأنروا.
في العام 1977 جيء بمذكرة التفاهم التي وقعها الرئيس الأميركي جيمي كارتر ووزير الخارجية الإسرائيلي موشي ديان، والتي تنص على أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين واللاجئين اليهود ستبحث حسب القواعد التي يتم الاتفاق عليها. وفي تصريح لكارتر قال: هناك لاجئون يهود لهم حقوق اللاجئين الآخرين أنفسهم.
يعتبر كثير من نواب الكونجرس الأمريكي أن تعريف لاجئ ينطبق على اليهود الذين فروا من اضطهاد الأنظمة العربية. وأكدوا: (أنه لا يمكن التوصل إلى سلام شامل بين العرب وإسرائيل من دون التعامل مع قضية اجتثاث التجمعات اليهودية التي تعود لقرون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ودول الخليج, وأنه من غيري اللائق أن تعترف واشنطن بحقوق اللاجئين الفلسطينيين من دون الاعتراف بحقوق مساوية للاجئين اليهود من الدول العربية).
في عام 1997عرض بعض النواب الأمريكيين أثناء زيارة إقليمية للمنطقة، وبإيعاز من اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة على عدد من البلاد العربية الخليجية توطين 35 ألف فلسطيني سنويا في كل دولة لمدة عشر سنوات، وبحساب الرقم تراكمياً يتعدى العدد 2 مليون شخص. جدير بالذكر الإشارة إلى أن هذا الاقتراح جاء مطابقاً لما طرحته المحامية اليهودية الأمريكية دونا آزرت لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين.
في نهاية شهر ديسمبر عام 2000 طرح الرئيس كلينتون التصور الأمريكي لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وجاءت أفكاره فيما يتعلق باللاجئين متطابقة كثيراً مع الموقف الصهيوني، فقال: "أعتقد بأننا نحتاج إلى تبني صياغة بشأن حق العودة توضح أن ليس هناك حق محدد في العودة إلى إسرائيل نفسها، ولكنها لا تلغي تطلع الشعب الفلسطيني للعودة إلى المنطقة". وأقترح بديلين هما: أن يعترف الجانبان بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى فلسطين التاريخية أو يعترف الجانبان بحق اللاجئين في العودة إلى وطنهم. وطالب بإنشاء صندوق دولي للاجئين، يكون فيه حقوق (للإسرائيليين) الذين حوّلتهم الحرب إلى لاجئين حسب زعمه. وسيحدد الاتفاق تنفيذ هذا الحق العام بطريقة تتوافق مع الحل القائم على أساس دولتين، وهناك خمسة أماكن محتملة للاجئين، هي: دولة فلسطين، ومناطق في إسرائيل ستنقل إلى فلسطين ضمن تبادل الأراضي، إعادة تأهيل في الدول المضيفة، وإعادة توطين في دولة ثالثة، والإدخال إلى إسرائيل. توضح المقترحات أن العودة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والمناطق التي تتم حيازتها ضمن تبادل الأراضي ستكون حقاً لجميع اللاجئين الفلسطينيين.
في هذه الأيام يقوم بوش بزيارة المنطقة ابتداء من دولة الكيان في مسعى لتعزيز هوية الدولة العبرية انسجاما مع القرار الأخير الصادر عن الكونجرس الأمريكي والذي يعترف بموجبه بكون إسرائيل دولة يهودية هذا يعبر بشكل صريح عن الموقف الأمريكي الداعم والمتحالف مع إسرائيل، وهذا يعتبر خطوة خطيرة علي طريق ما تنوي إسرائيل والولايات المتحدة جنية من الاحتفالات التي تحضر لها إسرائيل في الخامس عشر من الشهر الجاري، حيث تسعى إسرائيل بدعم أمريكي إلي الحصول علي اعتراف دولي بكونها دولة يهودية علي وجه الخصوص مما يشكل تهديدا خطيرا لحق العودة الفلسطيني وتهديد لاستقرار مليون ونصف فلسطيني يعيشون داخل الأرض المحتلة عام 1948.
الموقف الأوروبي من حق العودة:
ترجع جذور الموقف الأوروبي إلي عام 1971 لما يعرف بوثيقة شومان, نسبة إلى موريس شومان, وزير الخارجية الفرنسي آنذاك, حيث كان المجتمع الأوروبي مؤلفا وقتذاك من ستة أعضاء فقط (فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندة وبلجيكا ولوكسمبورغ) وكانت كلا من (الدانمرك وأيرلندة والمملكة المتحدة) تتهيأ للانضمام إلى الاتحاد في سنة 1972, وكان المجتمع الأوربي قد بدأ قبل ذلك بما يعرف بالتعاون السياسي الأوروبي, الذي نص على مشاورات منتظمة بشأن قضايا مهمة تتعلق بالسياسية الخارجية.
حرب في حزيران 1967 والصراع العربي الإسرائيلي شكلت موضوعا رئيسيا للاهتمام الأوروبي والتدخل السياسي، لأن المنطقة المعنية قريبة جغرافيا من أوروبا فحسب، ولأن الدول الأعضاء لم تكن على وفاق, ففرنسا, تحت زعامة ديغول, وألمانيا وهولندة, القريبتان من الموقف الإسرائيلي. دفع ذلك فرنسا للعمل علي إقناع شركاءها بتبني نص مشترك لحل الصراع العربي الإسرائيلي، ووافق وزراء خارجية الدول الأعضاء الست بالإجماع على وثيقة شومان في 13 أيار 1971 التي تضمنت نصا بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم أو خيار التعويض عليهم. مما أثار مقدارا من الاختلاف بين الدول الأعضاء.
في إعلان البندقية 1980 تبنى أعضاء المجتمع الأوروبي التسعة ما يشار إليه بوجوب إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية التي ليست ببساطة قضية لاجئين. وطوال الثمانينات كان الموقف الأوروبي يعتبر أن القضية الفلسطينية ليست قضية لاجئين. ومضى الإعلان ينص على أنه يجب وضع الشعب الفلسطيني في موقع يؤهله من ممارسة حقه في تقرير مصيره بصورة كاملة، ولا بد من إشراك منظمة التحرير الفلسطينية في المفاوضات، ومع أن النص يذكر مسألة القدس والمستعمرات, إلا أنه لا يذكر حق العودة.
في فبراير 1987 في بروكسل, اختار المجتمع الأوروبي حلا مرتكزا على إعلان البندقية فطرح فكرة مؤتمر سلام دولي يعقد تحت رعاية الأمم المتحدة. في حزيران1987 في قمة مدريد, بلغ رؤساء الدول ألاثنتي عشرة إلى موقف في مصلحة مساندة أمن جميع الدول في المنطقة, بما فيها إسرائيل, أي حقها في العيش ضمن حدود آمنة ومعترف بها ومضمونة, وإقرار بحق جميع شعوب المنطقة, يشتمل على اعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني, بما فيها حقه في تقرير مصيره مع كل ما يستتبعه هذا. وكانت أول إشارة ضمنية إلى حق الفلسطينيين في إقامة دولة.
في 17 حزيران 1997, دعا الاتحاد الأوروبي إسرائيل إلى الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم, من دون استبعاد خيار إقامة دولة. وفي إعلان برلين في لقاء قمة الاتحاد الأوروبي في مارس 1999, الذي دعا توكيد حق الفلسطينيين الدائم وغير المشروط في تقرير مصيرهم بما في ذلك خيار إقامة دولة. ونص أيضا على أن يكون هذا الحق بمنأى عن أي فيتو, وعلى استعداد أوروبا للنظر في الاعتراف بدولة فلسطينية في الوقت المناسب.
مع مؤتمر مدريد في 1991, ثم اتفاقات أوسلو 1993, دخل العمل الأوروبي طورا جديداً، حيث وضعت أوروبا في موقف المتفرج, فهي لم تقم بأي دور بارز في مفاوضات مدريد, وأبقيت خارج محادثات أوسلو السرية. وأنزلت إلى مرتبة العمل كوكالة تمويل, وأصبحت في الأعوام التي تلت الاتفاقات مصدرا رئيسيا للأموال المقدمة إلى السلطة الفلسطينية. وهنا بعض أسباب استبعاد أوروبا من المشاركة في تسوية مستقبلية لقضية اللاجئين تتمثل في:
- بطء الاتحاد الأوروبي في تطوير قوة سياسية، لذلك لم تجد أوروبا أمامها سوى أن تفسح للولايات المتحدة مجالا للمناورة فإنها البلد الوحيد القادر على العمل كوسيط.
- مختلف الأطراف المنخرطة في مشروع التسوية لا يفعلون الكثير من أجل دعم مشاركة اوروبا في الميدان.
- حاز دور أوروبا السياسي زخما جديدا أبان حكومة نتنياهو بسب عرقلة عملية التسوية. وقد أدى ذلك إلى تعيين موراتينوس ممثلا للاتحاد.
- شارك الاتحاد الأوروبي في مجموعة عمل اللاجئين المتعددة الأطراف، وقد عقدت المجموعة سبع جلسات بين 1992 1995. ومع أن نتائج قليلة نجمت عن المفاوضات, فإنها أرغمت الاتحاد الأوروبي على مواجهة المشكلة. إلا أن نهاية الفترة الانتقالية جعلت الجميع يدرك مدى أهمية إيجاد حل لمشكلة اللاجئين.
- في لوكسمبورغ ديسمبر 1997 عبر الاتحاد الأوروبي عن استعداده للمساهمة في مفاوضات الوضع الدائم عن طريق طرح مقترحات محددة على الأطراف تتعلق بالموضوعات ذات الصلة, منها اللاجئين والقدس.
وفي 6 أكتوبر 1998 وافقت المجموعة على مقترح فرنسي لإعداد مذكرة داخلية بشأن المبادئ التوجيهية من أجل موقف أوروبي مشترك من مسألة اللاجئين. وأوصت المجموعة بعدم وجوب أن تكون عبارات هذه الوثيقة فرضية جدا, مشددة على تعذر حصر الحل في قضية ثنائية وعلى أن للحل بعدا إقليميا ودوليا برر محاولات تعيين موقف مشترك للاتحاد الأوروبي من الموضوع. ومع ذلك, لم تبد بوضوح أي إشارة إلى قبول القرار 194 كأساس للنقاش.
حق العودة على أجندة منظمة التحرير:
تعتبر قضية حق العودة هي الأساس في المشروع الوطني الفلسطيني، وهي التي فجرت الثورة وهي ملهمتها ورغم ذلك فقد تعرض موقف منظمة التحرير من قضية العودة إلى تحولات حاسمة منذ انعقاد أول مجلس وطني فلسطيني في القدس عام 1964 وحتى يومنا الحاضر، فمن البداية فشلت المنظمة في طرح مشروع العودة الفلسطيني علي المستوى الدولي، وتبعاً لذلك تعرضت المكانة المركزية لهذه القضية في النضال الفلسطيني المعاصر إلى الاهتزاز، في سياق محاولات المنظمة التأقلم مع موازين القوى والاشتراطات العربية والدولية كما سنرى في التغيرات علي مواقف المنظمة.
المرحلة الأولى: مرحلة التأسيس:
بقيت المنظمة منذ تأسيسها عام 1964 على إيمانها بتحقيق العودة من خلال التحرير الكامل، وأكدت ذلك في مقررات الدورات المتعاقبة للمجلس الوطني الفلسطيني حتى الدورة الحادية عشرة 1973، حيث دعت إلى رفض عقلية التسوية والعمل ضد مشروعات الحلول المجتزأة أو حتى قيام الدولة على جزء من الأرض الفلسطينية.
لم تنفصل قضية العودة عن هدف تحرير الشامل منذ تأسيس المنظمة عام 1964، فكانت العودة محصلة طبيعية لفعل التحرير الكامل وغير المنقوص وقد أكدت المواد:1-3 من الميثاق الوطني أن فلسطين وطن الشعب العربي الفلسطيني، وأنه "صاحب الحق الشرعي في وطنه فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب". كما أكدت المادة التاسعة من الميثاق الوطني المنقح على أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، وأكدت تصميم الشعب الفلسطيني على تحرير وطنه والعودة إليه، وممارسة حق تقرير مصيره فيه والسيادة عليه. بعد انتهاء حرب 1967, سعت منظمة التحرير الفلسطينية لكسب اعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية. وكان الهدف وضع المشكلة الفلسطينية في سياقها السياسي والحؤول دون معاملتها كمشكلة لاجئين فقط. وعلى المستوى الدبلوماسي كافحت منظمة التحرير من أجل إحراز اعتراف بها على أساس مبدأين، الأول: اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والثاني: حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
المرحلة الثانية: البرنامج المرحلي:
أعلن المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشرة عام 1974 ما عرف بالبرنامج السياسي المرحلي أو برنامج النقاط العشر الذي شكل نقطة انعطاف حاسمة في الفكر السياسي الفلسطيني، لجهة العلاقة بين الأهداف الإستراتيجية للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة وأهدافها المرحلية التكتيكية، وكيفية إدارة الصراع مع الحركة الصهيونية. وفي ظل تلك الظروف تم دفع قضية اللاجئين إلى الخلف في هذه المرحلة على الأقل لصالح مشروع الدولة الذي بدأ يتبلور في هذه المرحلة في سياق التماثل مع الأوضاع العربية والدولية الناجمة عن الحرب أكتوبر 1973 وما أعقبها من تطورات.
تجاهلت مقدمة برنامج النقاط العشرة القرار (194)، وقرارات الأمم المتحدة الأخرى ذات الصلة وذكر مصطلح حق العودة خارج سياق التحرير الشامل كما في مقررات المجالس السابقة، وجاء في سياق استحالة إقامة سلام دائم وعادل في المنطقة دون استعادة الشعب الفلسطيني لكامل حقوقه الوطنية وفي مقدمتها حقه في العودة وتقرير مصيره على كامل ترابه الوطني.
وجاء رفض البرنامج المرحلي لقرار مجلس الأمن رقم 242 على أرضية أخرى جديدة يطمس الحقوق الوطنية والقومية" للشعب الفلسطيني ويتعامل مع كمشكلة لاجئين. بعد أن كانت المنظمة تعارض القرار المذكور جملة وتفصيلاً على أساس أنه يقوم على مبدأ مبادلة الأرض بالسلام وبالاعتراف لإسرائيل بحدود آمنة.
في أواخر العام 1987 تفجرت في فلسطين الانتفاضة المباركة، وبعدها عقدت في الجزائر الدورة التاسعة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني عام 1988، وكانت مقرراتها تتويجاً منطقياً لنهج التيار الرئيسي في منظمة التحرير في سعيها لإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة من خلال التوصل إلى تسوية إقليمية للصراع. من خلال وثيقتان أساسيتان صدرتا عن هذا المؤتمر هما: البيان السياسي وإعلان الاستقلال. وأكدتا على حق العودة وحل مشكلة اللاجئين في إطار قرارات الأمم المتحدة، وإن جاء هذا التأكيد أكثر وضوحاً في وثيقة الاستقلال التي ربطت حق العودة بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني مثل حقه في الاستقلال والسيادة على أرض وطنه. ولكن لم تشر أي من الوثيقتين لا من قريب أو من بعيد إلى القرار 194 كأساس قانوني لحق العودة.
المرحلة الثالثة: إطلاق مشروع التسوية:
لم تكن هذه المرحلة منفصلة عن سابقاتها بل جاءت استكمالا لما خطط له التيار الرئيسي في منظمة التحرير منذ الدورة التاسعة عشرة باستثمار الانتفاضة سياسياً لتحقيق ما سمي بهدف الحرية والاستقلال، اقتناعاً منه بأن الانتفاضة حولت مركز ثِقل النضال الفلسطيني من خارج فلسطين إلى الداخل ووفرت قوة الدفع الذاتية لتطبيق البرنامج السياسي المرحلي المتضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وتمت الدعوة إلى مؤتمر مدريد 1991 على أساس القرارين 242 و338 اللذان يعالجان نتائج حربي 1967 و1973. حيث دعا القرار 242 إلى تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين، دون تحديد ماهية هؤلاء اللاجئين. وهذا ما فتح الباب لنشوء تفسيرين للقرار؛ الأول "إسرائيلي"، ويحصرهم بلاجئي العام 1967، والآخر عربي يشمل لاجئي العام 1948 والعام 1967 على حد سواء. ولا يتعامل هذان القراران مع الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. وهكذا دخلت منظمة التحرير منذ بداية المفاوضات على أرضية تغييب قرارات الأمم المتحدة التي تعترف بالشعب الفلسطيني وبحقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، بما في ذلك القرار 181 لسنة 1947 الذي استندت إليه المنظمة في إعلان الاستقلال. علماً بأن الأمم المتحدة التي يمثلها هذا القرار تعتبر في وجهها الآخر شهادة ميلاد إسرائيل الوحيدة، على حد قول وزير خارجية إسرائيل الأسبق أبا أيبان لكونه احدث تحولا جديدا لصالة وجهة النظر الصهيونية في الصراع.
وقد انبثق عن مؤتمر مدريد مجموعة عمل خاصة باللاجئين في إطار المفاوضات متعددة الأطراف، برئاسة كندا. غير أن إسرائيل رفضت اعتماد القرار 194 كمرجعية للبحث في مشكلة اللاجئين، وأصرت على أن ينحصر عمل مجموعة اللاجئين بالقضايا الإنسانية والتقنية. وهكذا كان الحال في الاجتماعات اللاحقة. وظل الوفد الفلسطيني يشير إلى القرار 194 في البيانات الختامية لمجموعة العمل بشكل تقليدي.
المرحلة الرابعة: الاعتراف المتبادل:
جرى توقيع رسائل الاعتراف المتبادلة بين ياسر عرفات ورابين في 9/9/1993 قبل أربعة أيام فقط من توقيع إعلان المبادئ. أي أن هذا الإعلان قد وقع تحت مظلة الرسائل، مما يضفي عليه صفة الأصل في حين يبقى الإعلان بمثابة الفرع وقد جاء ذلك في مصلحة إسرائيل حيث حصلت على الاعتراف مقدما. وتضمنت رسالة عرفات إلى رابين اعترفت المنظمة بالقرارين 242 و383 و"بحق إسرائيل بالعيش في سلام وأمن". وهذا الذي تريده إسرائيل حيث حصلت على شرعية سياسية من قبل ضحاياها، حيث كانت قد حصلت عليها خلال ما يصل إلي خمس وأربعين عاما بفعل الأمر الواقع المستند إلى القوة لا إلى مبادئ العدل والإنصاف، ولم تتطرق رسالة عرفات إلى رابين إلى حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني المتضمن حق العودة أرجأت المسائل المتعلقة بالوضع الدائم ومنها مسألة اللاجئين كي تتم تسويتها عن طريق التفاوض.
أما رسالة رابين إلى عرفات فهو اعتراف بمنظمة التحرير مشروط بالتعهدات الواردة في رسالة عرفات إليه وتعهد منظمة التحرير باعتبار مواد الميثاق الوطني التي تتعارض مع التعهدات المذكورة في الرسالة أصبحت عديمة الأثر وغير سارية المفعول. وهذه المواد من الميثاق التي تؤكد تصميم الشعب الفلسطيني على متابعة الكفاح المسلح "لتحرير وطنه والعودة إليه وممارسة حقه في تقرير مصيره فيه والسيادة عليه.
تجاهل الإعلان مصادر الحقوق الوطنية الفلسطينية في القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، على حد سواء، وفي مقدمتها حقه في العودة في إطار ممارسة الحق في تقرير المصير. كما أرجأ الإعلان حل مشكلة اللاجئين إلى مفاوضات الحل النهائي، دون أن تربطها بأي مرجعية قانونية. وجزأ الإعلان قضية اللاجئين ما بين لاجئي 1948 ولاجئي 1967، الذين أصبحوا يعرفوا في لغة المفاوضات بالنازحين حسب التفسير الصهيوني للقرار 242. ودعا الإعلان إلى تعاون حكومة إسرائيل والممثلين الفلسطينيين من جهة، وحكومتي الأردن ومصر من جهة أخرى في إنشاء ما عرف باسم اللجنة الرباعية للمفاوضات للبحث وفي وسائل عودة نازحي العام 1967 إلى الضفة الغربية وقطاع غزة. وحسب الإعلان ظلت عودة كل من يتقرر عودته مشروطة بموافقة إسرائيل.
المرحلة الخامسة: محاولات شطب حق العودة:
شهدت هذه المرحلة محاولات مستميتة لإضعاف الإطار القانوني لحق العودة استجابة للضغوط التي كانت تمارسها كلا من إسرائيل وأمريكا ومجموعات العمل التي كانت تقترب أكثر فأكثر إلي وجهة النظر الصهيونية التي ما فتئت تمارس الابتزاز السياسي علي المفاوضين الفلسطينيين، حتى أصبح لديهم أن الاقتراب من المواقف السياسية الصهيونية بضاعة رائجة تفتح أمامهم الأبواب المغلقة، وفيما يلي بعض هذه المحاولات:
1- اتفاق بيلين وأبو مازن أكتوبر 1995: كان هذا الاتفاق جزءاً من ترتيبات إسرائيل والسلطة الفلسطينية من أجل بلورة إطار لقضايا الوضع النهائي حسب توجيهات إعلان المبادئ الذي ألزم الجانب الفلسطيني بإعادة النظر في حقوق اللاجئين الفلسطينيين بموجب قواعد القانون الدولي في ضوء الحقائق المتغيرة على الأرض منذ 1948.
حيث نصت المادة السابعة من اتفاق الإطار بما يلي: بينما يعتبر الفلسطينيون أن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم حق مكفول في القانون الدولي ومبادئ العدالة الطبيعية، إلا أنه يقر بأن المتطلبات الأساسية للحقبة الجديدة من السلام والتعايش، فضلاً عن الحقائق التي خلقت على الأرض منذ العام 1948 جعلت من تطبيق هذا الحق أمراً غير ممكن عملياً، ولذا يعلن الجانب الفلسطيني استعداده لقبول وتطبيق سياسات وإجراءات من شأنها أن تضمن بقدر المستطاع رفاه هؤلاء اللاجئين ورغد عيشهم"
في حين تعترف إسرائيل في الفقرة الثانية من المادة السابعة نفسها بالمعاناة المعنوية والمادية التي تكبدها الفلسطينيون جرّاء حرب 1947-1949، إلا أنها تتنصل من أي مسؤولية أخلاقية أو معنوية عن هذه المعاناة وتضعها في المقابل على عاتق الجانب الفلسطيني أو السلطة الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو1 الذي نقل كامل المسؤولية عن الأضرار التي تكبدها الشعب الفلسطيني إبان الاحتلال الإسرائيلي إلى السلطة الفلسطينية.
ويحدد اتفاق الإطار هذا عودة اللاجئين إلى الدولة الفلسطينية حصرياً ويحمل السلطة الفلسطينية عبء التعويض عن الأضرار: كما تقر إسرائيل بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الدولة الفلسطينية وتعترف بحقهم في إعادة التأهيل والتعويض عن الخسائر المادية والمعنوية.
ويتضمن اتفاق بيلين وأبو مازن أيضاً تشكيل لجنة دولية تكون مسئولة عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين في التعويض واستعادة الممتلكات وهي مسؤولية ينبغي أن تتحملها "إسرائيل" بموجب القانون الدولي وكذلك تناط باللجنة المذكورة مهمة تطوير "برامج إعادة تأهيل واستيعاب" وتكوين قراراتها نهائية وغير قابلة للاستئناف.
وهكذا يلغي هذا الاتفاق حق العودة كما هو منصوص عليه في القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وخاصة القرار 194، ويعفي "إسرائيل" من تحمل المسؤولية عن تعويض اللاجئين الفلسطينيين واستعادة ممتلكاتهم ويحيل هذه المسؤولية القانونية إلى المجتمع الدولي.
وكما أسلفنا كان اتفاق بيلين وأبو مازن جزءاً من ترتيبات الوضع النهائي في أوسلو 2 وركيزة مهمة من ركائز التفاهمات السرية التي تم التوصل إليها في كامب ديفيد الثانية في تموز/يوليو من عام 2002. وكان رئيس الحكومة "الإسرائيلية" آنذاك باراك قد أفصح لصحيفة يديعوت أحرونوت، 11/7/2000 قبل توجهه إلى محادثات كامب ديفيد عن مضمون التسوية النهائية لقضية اللاجئين، حين قال: لن تعترف إسرائيل بأي مسؤولية أخلاقية وقانونية عن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.
2-·مبادرة أيالون وسري نسيبه يوليو 2002:
تقترح المبادرة أو إعلان النوايا كما يسميها نسيبه إقامة دولتين لشعبين على أساس أن تكون "فلسطين هي الدولة الوحيدة للشعب الفلسطيني و"إسرائيل" هي الدولة الوحيدة للشعب اليهودي"، بحيث يتم الاتفاق على حدود دائمة بين الدولتين على أساس حدود الرابع من حزيران 1967 وقرارات الأمم المتحدة والمبادرة العربية للسلام المعروفة بالمبادرة السعودية.
بخصوص حق العودة تنص المبادرة في بندها الرابع على ما يلي: اعترافاً بمعاناة وتشريد اللاجئين الفلسطينيين يعمل المجتمع الدولي و"إسرائيل" ودولة فلسطين على تأسيس ودعم صندوق دولي خاص لتعويض اللاجئين الفلسطينيين، ويعود اللاجئون الفلسطينيون إلى دولة فلسطين فقط ويعود اليهود إلى دولة "إسرائيل" فقط، ويقدم المجتمع الدولي تعويضات وتسهيلات لتحسين أحوال اللاجئين الذين يرغبون في البقاء في مواطن إقامتهم، والذين يرغبون بالهجرة إلى دولة ثالثة. وهكذا تسقط هذه المبادرة حق العودة على أساس القرار 194 الذي لم يرد ذكره مطلقاً في أي من بنودها. وتعفي "إسرائيل" من المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن النكبة وخلق مشكلة اللاجئين.
3- خطة خارطة الطريق ابريل 2003:
خارطة الطريق أدرجت قضية اللاجئين في المرحلة الثالثة والنهائية (2004-2005) المتضمنة عقد مؤتمر دولي بإشراف اللجنة الرباعية تناط به مهمة إقرار قضايا الوضع الدائم المتعلقة بإقامة الدولة في العام 2005 بما في ذلك "قضايا الحدود، القدس اللاجئون، الاستيطان، والسلام بين "إسرائيل" والدول العربية الأخرى".
وتجدر الإشارة هنا إلى أن صاحب الرؤية والخارطة الرئيس الأمريكي بوش قد تخلا عنها عملياً من خلال تصريحاته القائلة بإن العام 2005 ليس موعداً واقعياً لتنفيذ الخارطة وإقامة الدولة الفلسطينية. وكان قد عمد من قبل إلى إفراغ الخارطة من مضمونها عندما قطع وعداً لرئيس الوزراء "الإسرائيلي" شارون خلال زيارته للبيت الأبيض (14/4/2004) بالقفز عن حق العودة وفق القرار 194، وحين شرّع الاستيطان والاحتلال ودعا إلى عدم العودة إلى حدود الرابع من حزيران 1967 تحت دعاوى التعامل مع الحقائق التي كرستها "إسرائيل" على أرض الواقع منذ العام 1948. وذلك خلافاً لمبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية وحتى لسياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة بخصوص الصراع العربي "الإسرائيلي.
4·تفاهمات جنيف ديسمبر 2003:
جرت بين فريقين برئاسة كلا من يوسي بيلين وياسر عبد ربه، وهي لا تعتبر وثيقة رسمية من وجهة نظر القانون الدولي، نظراً للصفة القانونية غير الملزمة للموقعين عليها، إلا أن خطورتها تكمن في مضمونها وفي السياق السياسي الذي تمت فيه. لقد قدمت هذه التفاهمات بوصفها نموذجاً لاتفاقية سلام نهائي متفاوض عليه ومقبول من الأطراف المعنية، وله أولوية على القانون الدولي.
وتشمل التنازلات التي قدمها الطرف الفلسطيني بموجب تلك التفاهمات عدا عن إلغاء حق العودة الاعتراف بيهودية دولة "إسرائيل" وتكريس الأمر الواقع في القدس وإضفاء الشرعية على المستوطنات وقبول إقامة كيان فلسطيني مقطع الأوصال ومنقوص السيادة ومنزوع السلاح، فضلاً عن تجزئة وحدة الشعب الفلسطيني وإخضاعه للهيمنة "الإسرائيلية".
تدعو الاتفاقية إلى حل "متفق عليه" لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين على أساس القرارين (194) و(242) ومبادرة السلام العربية وإلى تشكيل "صندوق دولي" للتعويض عن اللجوء وخسارة الممتلكات بعد تقديرها من قبل لجنة دولية مختصة. ولا يرد مصطلح حق العودة أبداً في الاتفاقية التي تستعيض عنه بمصطلح فني بحت هو "اختيار مكان سكن دائم" وفق خيارات خمسة (دولة فلسطين، مناطق في "إسرائيل" تنقل إلى الدولة الفلسطينية في اتفاق تبادل الأراضي، دولة ثالثة، دولة "إسرائيل"، الدول المضيفة حالياً)، على أن يخضع الخيار الرابع المتعلق بعودة اللاجئ إلى بيته الأصلي فيما يسمى "إسرائيل" الآن للقرار السيادي "الإسرائيلي، وبهذا تعطي الاتفاقية لإسرائيل" حق الفيتو على عودة أي لاجئ فلسطيني إلى بيته الذي طرد منه العام 1948 تطبيقاً للقرار (194). فالقرار المذكور يرد في الاتفاقية ليكون أساساً لحل "متفق عليه"، وليس لإلزام "إسرائيل" بتطبيقه. وتزعم الاتفاقية أن اختيار اللاجئ لما سمي "مكان سكن دائم" هو اختيار حر إلا أنها تعود فتقيد هذا الاختيار الحر في البند الحادي عشر من المادة السابقة نفسها المتعلقة بتشكيل اللجنة الدولية. ينص البند المذكور على تشكيل لجان فنية مختلقة منها لجنة "مكان السكن الدائم"، بحيث تتلقى اللجنة طلبات اللاجئين في هذا الخصوص في موعد لا يتجاوز السنتين من بدء عمل اللجنة الدولية. وأخطر ما ورد في صلاحيات هذه اللجنة ووافق عليه الجانب الفلسطيني هو أن اللجنة المذكورة هي التي تقرر مكان السكن الدائم للاجئين المتقدمين إليها في ضوء التفصيلات الشخصية لكل لاجئ واعتبارات جمع شمل العائلات. كما يفقد المتقدمون للجنة مكانتهم القانونية كلاجئين. إذا لم يوافقوا على اختيار اللجنة. و تعتبر الاتفاقية أن مكانة اللاجئ القانونية تنتهي مع تحقق مكان السكن الدائم وفق ما تقرره اللجنة الدولية. كما تدعو إلى تصفية دور الاونروا ونقل وظائفها إلى الدول المضيفة وفق جدول زمني ينتهي بعد خمس سنوات من بداية عمل اللجنة المذكورة. ولا يجب أن يغيب عن أذهاننا أن وجود الاونروا واستمرار عملها ما هو إلا تعبير عن اعتراف المجتمع الدولي بالمسؤولية القانونية والأخلاقية عن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وان قرار إنشاء الاونروا نفسه رقم 302 للعام 1949 يشير في ديباجته إلى الفقرة11 من القرار 194، بما يعني مسؤولية الاونروا عن إغاثة اللاجئين الفلسطينيين وحفظ مكانتهم القانونية كلاجئين إلى أن تتم عودتهم. فماذا تبقى إذن من مبدأ الاختيار الحر وأين دور القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية التي تكفل المكانة القانونية للاجئ إلى أن تتم عودته إلى وطنه؟
وكالاتفاقيات والمبادرات السابقة تقدم اتفاقية جنيف بوصفها حل كامل ودائم لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين لا يجوز بعدها طرح أية مطالب أخرى فيما عدا تلك المتعلقة بتطبيق هذه الاتفاقية وتنص المادتان الأولى والأخيرة من الاتفاقية على المضمون نفسه فيما يتعلق بإنهاء الصراع ونهاية المطالب.
وتزيد المادة الأخيرة على ذلك فتدعو مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إصدار قرار يتبنيان فيه الاتفاقية ويلغيان قرارات الأمم المتحدة السابقة المتعلقة بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني.
وعلى الإجمال تدعو اتفاقية جنيف إلى إلغاء حق العودة بوصفه حقاً فردياً في القانون الدولي، وبوصفه حقاً جماعياً يرتبط بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني بما يؤدي إلى تكريس الشتات واختزال الحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف إلى مجرد حقوق مدنية تؤمن مكان سكن للاجئ الفلسطيني وتوفر له أسباب العيش في المنافي القريبة والبعيدة.
5- استطلاعات الرأي:
·في سياق محاولات الانتقاص من حق العودة تندرج بعض استطلاعات الرأي التي تجريها من وقت لآخر بعض مراكز البحوث الفلسطينية المدعومة من دوائر وجامعات ومراكز بحثية دولية وخاصة أمريكية. مثال ذلك المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية- رام الله الذي يديره الدكتور/ خليل الشقاقي. لقد أجرى المركز المذكور ثلاثة استطلاعات للرأي العام بين اللاجئين الفلسطينيين في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة وفي الأردن ولبنان، وفق استمارات ذات أسئلة معدة ومرتبة مسبقاً للحصول على أجوبة محددة وهدفت تلك الاستطلاعات إلى "التعرف على مواقف وخيارات اللاجئين في التسوية الدائمة لخدمة الأغراض التفاوضية الفلسطينية"، كما جاء في البيان الصحفي الصادر عن المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية بشأن نتائج الاستطلاعات الثلاثة.
نعتقد أن هذا النوع من الاستطلاعات يفتقر إلى الحياد والموضوعية وينطوي على تضليل كبير، إذ يمكن للقائمين عليها التحكم بنتائجها سلفاً والتلاعب بها من خلال الكيفية التي تختار بها العينة وطريقة تصميم الاستمارة وصوغ الأسئلة وتسلسلها المنطقي، فضلاً عن اختيار اللحظة السياسية المواتية التي تجري فيها الاستطلاعات.
وأهم من ذلك كله، فإن حق العودة، في باعتباره حق فردي وجماعي يكفله القانون الدولي. وينتمي إلى مجموعة حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة وغير القابلة للتصرف. وهو غير قابل للاستفتاء ولا تغير نتائج أي استطلاع مهما كانت وجهتها من قوته القانونية والأخلاقية.
6- التصريحات الإعلامية:
يخرج من وقت لأخر بعض التصريحات التي تصدر عن شخصيات هنا وهناك، وكثير ما تكون هذه شخصيات فلسطينية مرتبطة بمشروع التسوية مثل تصريح سري نسيبة 2002 الذي قال فيه: علينا أن نصارح أهل المخيمات انه لا توجد عودة، فمثل هذا التصريح يراد منه تمرير فكرة إسقاط حق العودة ببطء حتى يتقبل اللاجئين هذا الأمر وخاصة أن هذه التصريحات تأتي كمقدمات لمشاريع أكثر خطورة فمثلا تصريح نسيبه هذا سبق استطلاعات الشقاقي، والتي بدورها سبقه وثيقة جنيف.
استخلاص النتائج:
من خلال هذه الورقة نستطيع أن نحدد الجوانب الذي أصابها الخلل جراء مواقف منظمة التحرير وهو كما يلي:
- التلاعب بالإطار القانوني للحقوق الفلسطينية التي ضمنها القانون الدولي وأكدتها قرارات الأمم المتحدة.
- انتهاك الميثاق الوطني الضامن لوحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة أهدافه الوطنية التاريخية على أرض آبائه وأجداده.
- الانحراف لصالح وجهة النظر الصهيونية والأمريكية في إدارة الصراع علاوة علي تأثيرها علي صناعة الموقف الوطني علي مستوى منظمة التحرير.
- حرف البوصلة لدي شريحة كبيره من المشروع الوطني الفلسطيني حيث وصف شمعون بيريز تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني بأنه التغيير الأيديولوجي الأهم خلال القرن الحالي.
- تعزيز تجاهل الإدارة الأمريكية للمواثيق الدولية الداعمة للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني حيث اعتبرت مادلين أولبرايت سبتمبر 1994 قرارات الأمم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية بأنها مثيرة للنزاع وقد عفا عليها الزمن. وصولا إلي قرار الكونجرس الأمريكي باعتبار الكيان الصهيوني دولة يهودية وبما يتبع ذلك من مخالفة للقانون الدولي الذي لا يعطي الشرعية لدولة عنصرية.
واقع قضية اللاجئين في ظل مشروع التسوية:
- مشروع التسوية لم يؤدي إلا إلى إسقاط حق العودة وتثبيت الشتات الفلسطيني وإهدار حق تقرير المصير، عبر خلق كيان فلسطيني هزيل.
- أصبحت الكيان الصهيوني من خلال واقع التسوية اقدر من أي وقت مضى على فرض حل للقضية الفلسطينية يكرس نوعاً من أنواع العزل العنصري في فلسطين مدعوماً من الولايات المتحدة الأمريكية، في قرن الديمقراطية وحقوق الإنسان. ويمثل جدار الفصل العنصري خير شاهد على ذلك.
- أصبحت إسرائيل من خلال الطرح النظري لحل الدولتين أكثر قربا إلى فكرة النقاء العرقي الكامنة في الأيديولوجي الصهيونية، وتطبقها من خلال ضم الأراضي الفلسطينية دون سكانها أو مع أقل تواجد سكاني ممكن، حسب قول رابين.
- أصبح الشعب الفلسطيني في حالة أكثر تشتتا، بين الداخل الذي تمثله سلطة ضعيفة مرتبطة بمشروع التسوية الذي أصبح مع الوقت مشروعا امنيا صهيونيا، والخارج الذي تزعم منظمة التحرير الهشة الضعيفة العديمة الوجود بأنها ممثلة الشرعي والوحيد. ويعيش معزولاً عن نصفه الآخر في الكيان الفلسطيني المرتقب، محروماً من ممارسة حقوقه الوطنية المشروعة في العودة وتقرير المصير على أرض وطنه.
- على الفلسطينيين أن يشكلوا كتلة تبلور موقفاً حاسماً يتمسك بحق العودة وتقرير المصير ويرفض التوطين أو التعويض بديلاً عن العودة. ولتبقى العودة مشروعاً نحققه بالعمل عبر رؤية متفائلة لمسيرة التاريخ.
المراجع:
1. مقررات المجلس الوطني الفلسطيني، 1964-1974، تحرير راشد حميد، سلسلة كتب فلسطينية، 64 (بيروت: مركز الأبحاث الفلسطيني، 1975)، ص 46.
2. رمضان بابادجي، مونيك شميلييه جاندرو وجيرو دولابراديل، حق العودة للشعب الفلسطيني ومبادئ تطبيقه (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية 1996) ص 106.
3. أنظر: رسالة سري نسيبه المرفقة بالمسودة النهائية للاتفاق، والمؤرخة في 14/9/2002، والتي طرح فيها الاتفاق على الرأي العام الفلسطيني في صورة "استفتاء شعبي".
4. عبدة الأسدي، صامد الاقتصادي، العدد105، أيلول 1996.
5. مجلة رؤية-الهيئة العامة للاستعلامات، العدد الثاني، أيلول 2000.
6. الموسوعة الفلسطينية، المجلد الرابع، الطبعة الأولى 1984.
7. محمد فياض صلاحات، مجلة السياسة الفلسطينية. السنة السابعة. العدد 26 ربيع 2000.
8. ايليا زريق، اللاجئون الفلسطينيون، والعملية السلمية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، اغسطس 1997.
9. ايليا زريق، مرجع سابق.
10. ماجد كيالي، قضية اللاجئين الفلسطينيين-أسبابها-أبعادها، صامد الإقتصادي، العدد 105، 1996.
11. أمين محمود عطايا، قضية اللاجئين الفلسطينيين-جذور المشكلة وآفاق الحل، صامد الاقتصادي-العدد 105، أيلول 1996.
12. شلومو غازي، قضية اللاجئين الفلسطينيين، مجلة الدراسات الفلسطينية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، عدد 2، بيروت، 1995.
13. سلمان أبو ستة، اللاجئون الفلسطينيون-الواقع الراهن والحل … في إطار حق العودة، المركز القومي للدراسات والتوثيق-غزة 2001.
14. قراءة في خطط إسرائيلية للحل الدائم-مركز التخطيط الفلسطيني-دراسة رقم 37-1997.
15. نشرت صحيفة هأرتس "الاسرائيلية" النص الإنجليزي الكامل، وهي النسخة الرسمية المعتمدة، أنظر: